- Forum > طفولة فيروز
7/29/2009 11:38 PM طفولة فيروز (0 Comment)
- Dhilal
- 17, Egypt
طفولة فيروز
أعلنت بلدية بيروت تحويل المنزل الذي عاشت فيه المطربة فيروز طفولتها في منطقة رقاق البلاط مركزاً فنياً ومتحفاً ثقافياً. جاء ذلك بعدما كشف أحد البرامج التلفزيونية ان هذا المنزل آيل الى السقوط في أي لحظة ليتحول جزءاً من الماضي. هكذا أدخل البيت الذي عاشت فيه فيروز طفولتها في دائرة "الأسطورة" وشاهداً على الذاكرة والزمن الغابر. قلَّ ما تلجأ البلديّات في لبنان الى الاهتمام بأماكن عيش الفنانين والأدباء، او نادراً ما تلجأ بلدية من بلديات لبنان الى تحويل منزل لشخصية معروفة متحفاً، ربما باستثناء بيت الشاعر الياس ابو شبكة في زوق مكايل. وربما سواه القليل القليل.
منزل فيروز الأول، المتهالك والآيل الى السقوط في زقاق البلاط، إشارة الى الذبول والترهّل الذي أصاب الحي نفسه، اذ شهد الكثير من التحولات العمرانية والديموغرافية وخصوصاً في خلال الحرب الأهلية اللبنانية. فئات غادرته وفئات أخرى استقرت مكانها. مبانٍ أريستوقراطية فتّتها الزمن، ومبانٍ أخرى في انتظار الوحش العقاري والاسمنتي وربما الآيديولوجي والإثني. طفولة فيروز شاهد على طور من تحولات الحيّ البيروتي العتيق، وحين يكتب بعضهم عن هذه الطفولة او يتحدث عنها في برنامج تلفزيوني، فهو يضع قبل البدء في الكتابة او الحديث، لافتة عريضة عنوانها "ان من الشقاء لسحرا"، وتبيان شقاء طفولة الفنانة قرين على أسطورة مضاعفة او تمايز خاص يسعى الكتّاب الى قوله والإلحاح على جوهره. فأنْ تتضمن حكاية الطفولة بعضاً من الأعجوبة والشقاء، فهذا ما يجذب القارئ او المشاهد او المتابع. هذا الملمح نجده لدى الكثير من المشاهير في العالم. أم كلثوم مثلاً، من عائلة فلاحين متواضعة في قرية في دلتا النيل، أمضت مراحل دراستها في مدرسة قرآنية وبدايات غنائها في الأعراس والمآتم ثم انتقالها مع عائلتها للعيش في القاهرة عام 1923. وديع الصافي عاش طفولة متواضعة يغلب عليها طابع الفقر والحرمان. سيرة طفولة صباح في بلدة بدادون لا تقل شقاءً، وكذلك سيرة أسمهان التي ولدت على متن باخرة وماتت في حادث غامض.
والحال ان الراوي غالباً ما يبحث عن الجانب الذي يضفي نوعاً من الأسطورة على حياة فيروز قبل صوتها. الإشارة الأكثر بلاغةً، تهافت الأقلام في الحديث عن نسب الفنانة وأصلها وفصلها، او هم يكتبون عن أصلها وفصلها كأنهم يكتبون تاريخاً شفاهياً متشعب المصادر والمشارب والروايات. والحال ان كل مواطن يرى فيروز على طريقته، وكل فريق يحاول الاستيلاء على "رمزيتها"، او طبعها بطابع سياسي او آيديولوجي او ديني او ثقافي. وربما لم يُجمع لبنانيون كثيرون من فئات وبيئات مختلفة على توظيف طاقاتهم الوجدانية والتخييلية في إنشاء رمز لبناني جامع ومشترك يعرّف بلبنان، وبهم كلبنانيين، إجماعَهم على لبنانية فيروز الرمزية.
تُجمع الروايات والأخبار الصحافية التي نقلت شذراتٍ من سيرة فيروز، على تعيين ولادتها في عام 1935، قبل أن تختلف وتتضارب حول تعيين مكان هذه الولادة، والمكان الذي وصل منه والدها وديع حداد. هو من السريان الذين هاجروا من مدينة ماردين إلى لبنان. وتقول معلومات أخرى انه جاء في عام 1924 من الناصرة في فلسطين إلى بيروت، هرباً من بعض المشكلات المالية، التي عاناها، وبدأ عمله في جريدة "لوجور" متقاضياً أجراً بسيطاً. هناك رواية أخرى تعيده إلى مدينة حلب السورية، أو إلى المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا، قبل أن تعرج به رواية ثالثة على بلاد حوران السورية. هنا تتدخل رواية رابعة مؤكدة أنه أرمنيٌّ هرب من المجازر التي أنزلها الأتراك بالأرمن في أثناء الحرب العالمية الأولى. هذا التشعب في الحديث عن أصل فيروز وعائلتها ونسبها ومسقطها، يذكّرنا برواية "بدايات" لأمين معلوف التي تُظهر كيف تشعّبت عشيرة المعلوف تبعاً للمصالح، في الطوائف والانتماءات والبلدان والصوفية والماسونية والعلمانية. يقول أمين معلوف: "أنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء في حجم الكون. مواطننا نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن كل ما يصل بيننا، وراء الأجيال، ووراء البحار، ووراء بابل اللغات، رنين اسم".
فيروز التي يجمع الكثيرون على انها رمز من الرموز اللبنانية، هي ابنة وديع حداد الذي ما إن تجمع الروايات على قدومه إلى لبنان، وزواجه من ليزا البستاني، ابنة بلدة الدبية الشوفية، حتى تعود إلى التضارب حول مكان إقامة الزوجين ومكان ولادة ابنتهما البكر نهاد، التي أصبحت لاحقًا فيروز. أبصرت النور في الحادي والعشرين من تشرين الأول عام 1935، وتذكّرت لاحقًا، أيام طفولتها، مؤكدة أنها كانت أياماً سعيدة، "مع أن معطيات السعادة لم تكن دائماً موجودة (...) فلقد كان منزلنا يتألف من غرفة واحدة، وكنا نتشارك مع الجيران في مطبخ مشترك". كانت أحلام فيروز تترجم في لحظاتها السعيدة في تنسيق الورود وزيارة جدتها التي قالت عنها عام 1973: "كانت أطيب الناس معي، أخاف عليها من كل شيء، من البرد، من الحرّ، من طول غيابها في قريتها الدبية تأتيني مع الأيام محملة أكياس لوز، تقطفه وتحمّصه وتملّحه بيديها، كانت حلوة الشكل منمنمة القدّ، متعلمة، ترتدي تنورة طويلة ذات جيوب واسعة ولم تكن قريتها قد تعرفت إلى الكهرباء فالليل فيها ظلام دامس يطبق على المنازل الترابية القليلة يتسلل عبر سواده نور ضئيل من مصابيح شحيحة تنوس باكراً ثم تنام والماء يؤتى من عين ينتابها أيام الصيف شحّ مزمن فلا تمتلئ الجرار إلا بعد طول انتظار، كنت أعد الأيام الأخيرة من السنة الدراسية وأتعجّل مجيء جدتي من الدبية لتصحبني إلى حيث الليل والقنديل والنوم الباكر، نركب البوسطة مرتين في الذهاب وفي الإياب".
كانت فيروز ايضا تواظب على سماع الأغاني الآتية من جهاز الراديو التابع للجيران. كان لديها نزعة عفوية الى الغناء منذ نعومة أظفارها. في ليالي الشتاء، ومع جمعة الجيران، كثيراً ما كانت تدهش الجميع برندحة أغنية ما. كانوا فقراء الحال، كما تتذكر فيروز، لكنها تصرّ على أن حياتهم كانت سعيدة، من دون تطلّب. لم يكن في مقدور العائلة دفع المال للحصول على جهاز راديو، هذا الجهاز السحري الذي كانت تمتلكه قلّة محظوظة. اعتادت نهاد الجلوس على حافة الشباك لتستمع إلى الاغاني التي فتنت بها من راديو أحد الجيران. بعض هذه الأغاني التي طالما أحبت ان تغنيها في تلك الفترة المبكرة كانت أغاني ليلى مراد اليهودية المصرية التي أخفت انتماءها الديني، وأسمهان الأميرة الشامية التي عاشت في مصر حياة الصعلوكة.
كانت فيروز تستمع الى الأغاني أثناء الغسيل خلف البيت، او العجن لتحضير الخبز المرقوق، أو أثناء مساعدة أمها في الصباح. في الوقت نفسه، كان عليها الاعتناء بأختيها هدى وأمال وأخيها جوزف، كونها الأكبر سناً. كانت نهاد معروفة بحبها للزهور. تنسقها في باقات لتزيّن البيت بها. كانت تحبها الى درجة أن أمها اعتادت مضايقتها بفكرة أنها ستزوجها من بستاني. لا تخجل فيروز من حكايات طفولتها الحزينة، ويحلو لها أحياناً ان تقصّ على أصدقائها بعضا من تلك الحكايات، ومنها حكاية الحذاء الذي يكون أبيض في الصيف ثم يصبح أسود في الشتاء، بعد ان تصبغه لتتمكن من انتعاله طوال السنة.
تعلمت فيروز على الأخوين محمد وأحمد فليفل أصول الاإنشاد والتجويد القرآني، وكانت لا تزال طالبة في مدرسة حوض الولاية في منطقة زقاق البلاط. يقول محمد فليفل (1899–1985) في مقابلة تعود الى عام 1980: "قدمتها في دار الأيتام الاسلامية (المقاصد) لتنشد "يا محمد ارفع اللواء" في ذكرى تأسيس الدار. كما اني علمتها قراءة القرآن الكريم ومن خلاله ضبطت مخارج الكلمات عندها. لماذا يتمتع صوتها بهذا الجمال؟ لأنني درّستها فن الإلقاء عبر قراءة القرآن الكريم. لم أكن أعلّمها فقط الموسيقى، بل كنت أدرّبها على النطق السليم. كان دور محمد فليفل مركزياً ليس فقط في إقناع والد نهاد بإلحاقها بالكونسرفاتوار لمدة أربع سنوات وفي تكوينها الفني، بل وكذلك من خلال تقديمها في الإذاعة اللبنانية. التحقت فيروز بالمعهد في عام 1946 وكان رئيسه آنذاك هو وديع صبرا ملحّن النشيد الوطني اللبناني، والذي رفض تقاضي أي مبلغ من فليفل عن الفترة الدراسية التى ستمضيها نهاد في المعهد وظلت تدرس فى المعهد طيلة خمس سنوات. وبعد التخرج ساعدها فليفل في المثول أمام لجنة مؤلفة من حليم الرومي وخالد أبو النصر وغيرهما، في امتحان قبول في الإذاعة عام 1949، وعزف وراءها حليم الرومي على العود وهي تغني أغنية أسمهان "يا ديرتي" ومن بعدها أغنية فريد الأطرش "يا زهرة في خيالي" وحظيت بانبهار جميع أفراد اللجنة وكان أكثر المعجبين بصوتها حليم الرومي، وتمّ ضم فيروز الى جوقة الإذاعة. وكانت في بعض الأحيان تحلّ محل المطربة الأساسية وتتقاضى شهرياً في مقابل هذا مئة ليرة إلا خمساً.
من أغنياتها الأولى "تركت قلبي وطاوعت حبك" من ألحان حليم الرومي وكلمات ميشال عوض. كان ذلك في نيسان عام 1950. هنا اقترح عليها حليم الرومي أن تستبدل اسمها باسم فني، وخيّرها بين اسمين شهرزاد وفيروز فاختارت الثاني. بعد أغنيتها الأولى جاءت أغنيتها الثانية باللهجة المصرية وهي أغنية في جو سحر وجمال ثم غنّت دويتو مع حليم الرومي في أغنية "عاشق الورد" ثم "أحبك مهما أشوف منك" ثم تدفقت أغانيها الصغيرة والخفيفة التي قصد بها حليم الرومي تحقيق قدر من التنوع، ولحّن لها في تلك الفترة ملحنون آخرون من مثل محمد محسن وسليم الحلو.



